ساسي سالم الحاج

110

نقد الخطاب الاستشراقي

بدقة ، ولكن هل كانت هذه القرارات والفتاوى تصدر عن اللا شعور أم هل إنها نتيجة تفكير وتأمّل مسبقين ؟ ويجيب « رودنسون » : لن نعلم مطلقا ما الجواب ولكننا عثرنا على المشكلة « 1 » . فإذا كان محمد صادقا ، وإذا كان ما يسمعه ويراه كان وهما فهل كان مريضا أو مجنونا أو شاذّا ؟ ويطرح « رودنسون » جانبا مشكلة الجنون لأنها لم تكن مقبولة لدى المتخصصين منذ أمد بعيد طالما كانت الحدود التي تفصل الشواذ عن الأسوياء عائمة أكثر مما نتوقع آنفا . فالعلامات التي تعتري الشواذ نلاحظها لدى معظم الأسوياء ، فالعصبيون والمعتوهون هم ببساطة أولئك الذين تصبح لديهم هذه العلامات أكثر حدة واستمرارية . إن طبيعة محمد وخصاله تجسد منذ البداية الشروط المطلوبة ليصبح صوفيّا . فظروف طفولته ومراهقته وشبابه دفعت إلى هذا الاتجاه . قد بدأ في تطبيق مبادئ الزهد الذي يعتبر لدى كل المتصوفين المرحلة الأولى للوصول إلى الحلول في الذات الإلهية ، وهي الوسيلة الأولى للتخلّص من الأنا والجسد للالتحام مع العالم الخارجي عن الذات البشرية ، وطريقة لا غنى عنها للتخلص من الرغبات والملذات والإغراءات الجسدية ، ووسيلة لإذلال النفس خضوعا للكائن الذي نبحث عنه . وعندما يتطور المرء ويتدرّج في هذه المراتب بعد تلك الصلوات المحمومة والابتهالات والأذكار المستمرة يشعر بالخروج عن ذاته الشخصية والاندماج في ظواهر تتراءى له من خلالها أمور يعجز الرجل العادي من استكناهها . وينتج عن ذلك كله شواهد وأصوات خيالية أو عقلية ظاهرية أو باطنية . وهذه الظواهر المرئية والسماعية نجدها تحت أشكال أخرى عند المرضى العقليين كالهستيريين ومنفصمي الشخصية . ولكن بالرغم من أن الصوفيين مستعدون لهذه الترصفات الشاذة فإنهم يختلفون في الوسيلة والرؤيا والسماع عن هؤلاء المرضى العقليين . وبعد أن يصف « رودنسون » المراحل التي يمر بها المتصوّف إلى حين الاتحاد باللّه يستنتج أن محمدا قد مرّ بمعظم هذه المراحل وخاصة مرحلة الجذب المعروفة لدى المتصوفة ولكنه لم يصل أبدا إلى الاتحاد مع اللّه ، بل إنه كان يشعر دوما بأنه كان متميزا ومبتعدا عن اللّه الذي يوحي إليه ويعلّمه ويرشده ، ويشجعه ويملي عليه الأوامر . فكان يشعر دوما بأنه بين عالمين مختلفين ومنفصلين لا واسطة بينهما إلّا ما يوحى له

--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 106 .